تحت الضغط



"علي فعل ذلك عزيزتي". 
قالها الزواج لزوجته التي تحاول منذ ما يزيد عن الساعة ثنيه عن الخروج ببندقيته للشارع المتفجر بالرصاص منذ الصباح.. تجاذبٌ قاس بين القلب والعقل.. بين العاطفة والضمير.. هاجمت قوات الاحتلال مدينة غزة بشكل مباشر وتوغلت بمشاتها لتجوب أزقة المدينة، وتنشر الرعب والجثث.. الشوارع فارغة من أي بشري إلا من المقاومة الصامدة في وجه جنود الاحتلال.. طلقات البنادق لا تتوقف وقد خف وقعها على قلوب الصغار، فصار صوتها القريب مألوفا لا يؤثر فيهم ولا يزعزعهم، وألف الأطفال هذا الصوت بعد أن كانت كل طلقة في الخارج تتبعها صرخة فزع طفولية في البيت.. أحيانا تسمع بعض الخطوات الجارية ترافقها بعض الهمسات وأصوات خافتة، يستطيع الأب أحيانا تمييز كلمات المقاومة من غيرها.. الظلام يعم المكان بعد أن أغلق الأب الباب والنوافذ وكل منفذ.. لكن طول المدة في هذا الظلام سمح لهم بأن ترى أعينهم أشباح بعضهم البعض.. الأب مصر على النزول للقتال والجهاد، وكل مرة يذكره ضميره بأن الجهاد فرض عين عند دخول العدو أرض المسلمين، بينما تقف عاطفته الجياشة في وجهه وهو يرسل نظرات الألم إلى ابنته الصغيرة وابنه الرضيع.. من سيحمي هؤلاء إن قُتل؟ الطفلة.. الزوجة.. الرضيع.. حماية هؤلاء أيضا جهاد، ولكن... يتناقص الصبر تدريجيا وينفذ وهو يسترجع صور كل شيء، القتلى، صوت البنادق، أرضك وبلدك وأرض أجدادك، وقدس الأقداس.. الحملة الاستعمارية المغرورة.. تتردد الأصوات في داخله: من النهر إلى النهر.. خارطة الطريق.. السلام لا يعني رجوع اللاجئين.. مفاوضات بمصر بين إسرائيل وحركة حماس.. الرئيس يتهم حماس بأنها السبب في كل ما يجري للأبرياء
ــ علي الخروج الآن.. لا بد أن أخرج إلى الشارع.. الله الذي خلق الإنسان خلق معه قدره وهو المدبر..
تنظر له الزوجة في وجل وألم ثم تقول:
ــ انتظر قليلا فقد تتطور الأوضاع وتتدخل بعض الدول العربية للوساطة..
يحني رأسه باستسلام وهو يتمنى لو يقتنع بذلك لحظة، لكن الأمر خرج عن السيطرة، لا انتظار.. في الخارج هناك من ينتظر انضمامه، أبناء المقاومة الأحرار ينتظرونه، سيقتل كل من يصل إليه من الأعداء.. سينتقم من هؤلاء الوحوش قبل أن يقتلوه.. أخرج من الصندوق المجاور قناعا أسود اللون وضعه على وجهه ليخفيه.. لبس لباسا لاصقا يساعده على الخفة في الحركة.. حمل البندقية، وضع حاملتها على كتفه.. قام مسرعا عاقدا ما بين حاجبيه، خافقا قبله بكل الحزم والعزم.. قصد البنت الصغيرة قبلها على جبينها وهو ينظر إليها طويلا.. ولم يمنعه العزم البادي على وجهه من إطلاق سراح تلك الدمعة المحروقة على من عاشت في حضنه سنوات سبع.. أما الرضيع، فهو قادم جديد، لم يتغلغل بعد في قلب أبويه كتغلغل الصغيرة في قلبيهما.. مر على الصبي يتصنع العجلة للهروب من أمامهم، قبله بسرعة ودفع الباب، وخرج.. 
وقف لحظة بالباب يتفقد الشارع، ثم نزل الدرج حين اطمأن وأغلق الباب خلفه وإلى أذنيه تتسابق تنهدات الزوجة المكلومة من شدة النحيب...
------------------------------------------
محمد2000

تعليقات

  1. غير معرف11/20/2023 12:21:00 م

    🇵🇸🇵🇸🇵🇸 حقا وكأنها تتكلم على العدوان الحاصل الآن على غزة العزة، النصر للمقاومة والمجد لشهداء

    ردحذف
  2. غير معرف4/02/2026 11:13:00 م

    شكرا لمرورك اخي، هذا دليل على ان الوضع قديم وليس جديدا.

    ردحذف

إرسال تعليق

رأيك يبني و فكرك يعلم و يصحح، فاجعله شعلة تنير قلب من تصل إليه.

المشاركات الشائعة